ابن الجوزي

377

كتاب ذم الهوى

امرأة قط . وأطمعني ذلك فيها ، وقلت : هذا وقت خطابها ، والإمساك عنها عجز . ولعلها تعود ، أو لا تعود . وأردت كلامها ، فهبتها ، وقمت كأنني أحثّ التجار على جمع المتاع ، وأخذت يد الخادم ، وأخرجت إليه دنانير ، وسألته أن يأخذها ويقضي لي حاجة ، فقال : أفعل وأبلغ لك محبتك . وقصصت عليه قصتي ، وسألته توسّط الأمر بيني وبينها ، فضحك وقال : إنها لك أعشق منك لها . وو اللّه ما بها حاجة إلى أكثر هذا الذي تشتريه . وإنما تجيئك محبة لك ، وطريقا إلى مطاولتك ، فخاطبها بظرف ، ودعني فإني أفرغ لك من الأمر . فجسّرني بذلك عليها ، فخاطبتها ، وكشفت لها عشقي ، ومحبّتي ، وبكيت ، فضحكت ، وتقبّلت ذلك أحسن تقبّل ، وقالت : الخادم يجيئك برسالتي ، ونهضت ، ولم تأخذ شيئا من المتاع ، فرددته على الناس ، وقد حصل لي مما اشتريته أولا وثانيا ألوف دراهم ربحا ، ولم يحملني النوم تلك الليلة شوقا إليها وخوفا من انقطاع السبب بيننا . فلما كان بعد أيام ، جاءني الخادم ، فأكرمته ، وسألته عن خبرها . فقال : هي واللّه عليلة من شوقها إليك . فقلت : اشرح لي أمرها . فقال : هذه مملوكة السيدة أم المقتدر ، وهي من أخصّ جواريها بها ، واشتهت رؤية الناس ، والدخول والخروج فتوصّلت حتى جعلتها قهرمانة ، وقد واللّه حدّثت السيدة بحديثك ، وبكت بين يديها ، وسألتها أن تزوّجها منك ، فقالت السيدة : لا أفعل أو أرى هذا الرجل فإن كان يستأهلك ، وإلا لم أدعك ورأيك . وتحتاج أن تحتال في إدخالك الدار بحيلة ، فإن تمّت وصلت بها إلى تزويجها ، وإن انكشفت ضربت عنقك في هذا وقد أنفذتني إليك بهذه الرسالة ، وقالت لك : إن صبرت على هذا ، وإلا فلا طريق لك واللّه إليّ ، ولا لي إليك بعدها .